الشيخ محمد رشيد رضا
318
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أهون من الفتنة عن الاسلام ، لو لم يحتف بها غيرها من الآثام ، كيف وقد قارنها الصد عن سبيل اللّه والكفر به والصد عن المسجد الحرام واخراج أهله منه ولاعتداء بالقتال والاستمرار عليه . وقوله « إِنِ اسْتَطاعُوا » يفيد الشك في استطاعتهم وعدم الثقة بها لان من عرف الاسلام معرفة صحيحة وهو الحق الصريح لا يرجع عنه إلى الكفر وهو الباطل المفضوح ، وهكذا كان وهكذا يكون فلا تزال الكفار يقاتلوننا ليردونا عن ديننا ان استطاعوا ، ولم يستطيعوا ولما ذكر الردة التي يبغونها بقتالهم بين حكمها فقال وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي ومن يرجع منكم عن الاسلام إلى الكفر حتى يموت عليه فرضا ، فأولئك المرتدون هم الذين بطلت وفسدت أعمالهم في الدارين حتى كأن واحدهم لم يعمل صالحا قط ، لأن الرجوع عن الايمان إلى الكفر يشبه الآفة تصيب المخ والقلب فتذهب بالحياة ، فإن لم يمت المصاب بعقله وقلبه ، فهو في حكم الميت لا ينتفع بشيء وكذلك الذي يقع في ظلمات الكفر بعد أن هدي إلى نور الايمان ، تفسد روحه ويظلم قلبه ، فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية ، ولا يعطى شيئا من أحكام المسلمين الظاهرة ، فيخسر الدنيا والآخرة . يقول بعض الفقهاء ان المرتد تبطل أعماله حتى كأنه لم يعمل خيرا قط ، وحتى أنه يجب عليه إعادة نحو الحج إذا رجع إلى الاسلام ، وتطلق منه امرأته طلاقا بائنا فلا تعود إليه إذا هو عاد إلى الاسلام إلا بعقد جديد . ويقول غيرهم ان حبوط العمل مشروط بالموت على الكفر ، فإذا ارتد المسلم مدة ثم عاد لا تجب عليه إعادة نحو الحج ، وأما امرأته فإنها تكون موقوفة إلى انتهاء العدة ، فان عاد إلى الاسلام قبل انقضاء عدتها كانت على عصمته ، وإن عاد بعد انقضاء العدة فإنها لا ترجع اليه إلا بعقد جديد . وللردة أحكام أخرى عند الفقهاء تطلب من كتبهم ومعنى الآية ظاهر وهو أن المرتد لا ينتفع بأعمال الاسلام في دنياه ولا في أخراه ، وذلك ان الرجوع عن الدين رجوع عن أصوله الأساسية الثلاثة وهي